مجد الدين ابن الأثير
12
المختار من مناقب الأخيار
فقام إليه مالك بن دينار ، فسلّم عليه ، فردّ عليه السلام ، وقال : من أنت ، يرحمك اللّه ؟ قال : أنا مالك بن دينار . قال : بخ بخ أبا يحيى ، إن كنت كما يقولون ، أنت الذي يزعم هؤلاء القوم أنّك أزهدهم ؟ اجلس ، فالآن تمّت أمنيتي على ربّي في عاجل الدنيا . فقال صالح : فقمت إليه لأسلّم عليه ، فأقبل على القوم ، فقال : انظروا كيف تكونون غدا بين يدي اللّه في مجمع القيامة ؟ فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، فقال : من أنت ، يرحمك اللّه ؟ قلت : أنا صالح المرّيّ . قال : أنت الفتى القارئ ، أنت أبو بشر ؟ [ قلت : نعم . ] قال : اقرأ يا صالح . فابتدأت ، فقرأت فما استتممت إلا سبعا حتى خرّ مغشيّا عليه ، ثم أفاق إفاقة ، فقال : عد في قراءتك يا صالح . فعدت ، فقرأت وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] قال : فصاح صيحة ثم انكبّ لوجهه ، وانكشف بعض جسده ، وجعل يخور كما يخور الثّور ، ثم هدأ ، فدنونا منه ننظر ، فإذا هو قد خرجت نفسه ، كأنّه خشبة . فخرجنا ، فسألنا : هل له أحد ؟ فقالوا : عجوز تخدمه ، تأتيه الأيام ، فبعثنا إليها ، فجاءت ، فقالت : ماله ؟ قلنا : قرئ عليه القرآن فمات . قالت : حقّ له واللّه ، ومن ذا الذي قرأ عليه ؟ لعلّه صالح القارئ ؟ قلنا : نعم ، وما يدريك من صالح ؟ قالت : لا أعرفه ، غير أنّي كثيرا ممّا كنت أسمعه يقول : إن قرأ عليّ صالح قتلني . قلنا : فهو الذي قرأ عليه . قالت : هو الذي قتل حبيبي . فهيّأناه ، ودفنّاه « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *
--> ( 1 ) صفة الصفوة 3 / 331 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .